العيني

247

عمدة القاري

مطابقته للترجمة في قوله : ( فر من المجذوم ) وعفان هو ابن مسلم الصفار وهو من شيوخ البخاري ، ولكن أكثر ما يخرج عنه بواسطة ، وهذا تعليق صحيح وقد جزم أبو نعيم أنه أخرجه عنه بلا رواية ، وعلى طريقة ابن الصلاح يكون موصولاً ، ووصله أبو نعيم من طريق أبي داود الطيالسي ، وأبو قتيبة مسلم بن قتيبة كلاهما عن سليم بن حيان شيخ عفان فيه ، وسليم بفتح السين المهلمة وكسر اللام ابن حيان بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف ، وسعيد بن ميناء بكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف وبالنون بالمد والقصر . والحديث رواه ابن حبان بزيادة : ولا نوء ، وروى أبو نعيم من حديث الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اتقوا المجذوم كما يتقي الأسد ، وروى أيضاً من حديث ابن أبي أوفى : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( كلم المجذوم وبينك وبينه قيد رمح أو رمحين ) . فإن قلت : روى أبو داود عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد مجذوم فأدخله معه في القصعة ، ثم قال : ( كل بسم الله ، وثقة بالله ، وتوكلاً عليه ) . وأخرجه الترمذي وقال : غريب ، فكيف وجه الجمع بين هذا وبين حديث الباب ؟ قلت : أجيب بأجوبة : منها : أن هذا الحديث لا يقاوم حديث الباب ، والمعارضة لا تكون إلاَّ مع التساوي . الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكل معه ، وإنما أذن له بالأكل ، ذكره الكلاباذي . والثالث : على تقدير أكله معه أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها ، ولكن الله تعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سبباً لإعدائه مرضه ، ثم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في سائر الأسباب . ففي الحديث الأول نفي ما كان يعتقده الجاهلي من أن ذلك يعدي بطبعه ، ولهذا قال : فمن أعدى الأول ؟ وفي قوله : ( فر من المجذوم ) أعلم أن الله تعالى جعل ذلك سبباً ، فحذَّر من الضرر الذي يغلب وجوده عند وجوده بفعل الله عز وجل . الرابع : ما قاله عياض : اختلفت الآثار في المجذوم ، فجاء عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل مع مجذوم ، وقال : ثقة بالله وتوكلاً عليه ، قال : فذهب عمر رضي الله عنه وجماعة من السلف إلى الأكل معه ، ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ ، وممن قال بذلك عيسى بن دينار من المالكية . ( الخامس ) ما قاله الطبري : اختلف السلف في صحة هذا الحديث ، فأنكر بعضهم أن يكون صلى الله عليه وسلم أمر بالبعد من ذي عاهة جذاماً كان أو غيره ، قالوا : قد أكل مع مجذوم وأقعده معه ، وفعله أصحابه المهديون ، وكان ابن عمر وسلمان يصنعان الطعام للمجذومين ويأكلان معهم ، وعن عائشة : أن امرأة سألتها أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( فر من المجذوم فرارك من الأسد ؟ فقالت عائشة : كلا والله ، ولكنه قال : لا عدوى ، وقال : فمن أعدى الأول ؟ وكان مولى لنا أصابه ذلك الداء فكان يأكل في صحافي ويشرب في أقداحي وينام على فراشي ) . قالوا : وقد أبطل صلى الله عليه وسلم العدوي ( السادس ) ما قاله بعضهم : إن الخبر صحيح ، وأمره بالفرار منه لنهيه عن النظر إليه . قوله : ( لا عدوى ) هو اسم من الإعداء كالرعوى والبقوي من الإرعاء والإبقاء ، يقال : أعداه الداء يعديه إعداء وهو أن يصيبه مثل ما يصاحب الداء ، وكانوا يظنون أن المرض بنفسه يعدي فأعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمر ليس كذلك ، وإنما الله عز وجل هو الذي يمرض وينزل الداء ، ولهذا قال : فمن أعدى الأول ؟ أي : من أين صار فيه الجرب . قوله : ( ولا طيرة ) بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن هي التشاؤم بالشيء ، وهو مصدر تطير يقال : تطير طيرة وتحير حيرة ، ولم يجيء من المصادر هكذا غيرهما ، وأصله فيما يقال : التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما ، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم ، فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه ، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر . قوله : ( ولا هامة ) الهامة الرأس واسم طائر وهو المراد في الحديث ، وذلك أنهم كانوا يتشاءمون بها وهي من طير الليل ، وقيل : هي البومة ، وقيل : كانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره يصير هامة فيقول : اسقوني اسقوني ، فإذا أدرك بثأره طارت ، وقيل : كانوا يزعمون أن عظام الميت وقيل : روحه تصير هامة فتطير ويسمونه : الصدى ، فنفاه الإسلام ونهاهم عنه ، وذكره الهروي في الهاء والواو ، وذكره الجوهري في الهاء والياء . قوله : ( ولا صفر ) كانت العرب تزعم أن في البطن حية يقال لها : الصفر ، تصيب الإنسان إذا جاع وتؤذيه ، وإنها تعدي فأبطل الإسلام ذلك ، وقيل : أراد به النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية وهو تأخير المحرم إلى صفر ويجعلون صفر هو الشهر الحرام ، فأبطله الإسلام . قوله : ( فر ) من فر يفر من باب ضرب يضرب ، ويجوز فيه فتح الراء وكسرها ، ويجوز الفك أيضاً على ما عرف في علم الصرف . قوله : ( كما تفر ) كلمة ما مصدرية أي : كفرارك من الأسد . 20 ( ( بابٌ المنُّ شِفاءٌ لِلْعَيْنِ ) )